ابن الجوزي
341
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فخرج عبد الجبار فقال : قد دعا بك أمير المؤمنين وقد أعلمته أنك أحد عماله على المظالم والحسبة ، فأدخل عليه في الزي الَّذي يحب . فألبسه قباء ، وعلق خنجرا في وسطه وسيفا بمعاليق ، وأسبل جمته ، ودخل فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، فقال : وعليك ، ألست القائم بنا والواعظ لنا ومذكرنا بأيام الله على رؤس الملأ ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تخليت [ 1 ] عن مذهبك ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، فكرت في أمري فإذا أنا [ قد ] [ 2 ] أخطأت فيما تكلمت به ، ورأيت أني مصيب في مشاركة أمير المؤمنين في أمانته ، قال : هيهات أخطأت استك الحفرة هناك يوم أعلنت الكلام وظننا أنك أردت الله به فكففنا عنك ، فلما تبين لنا أنك أردت الدنيا جعلناك عظة لغيرك حتى لا يجترئ بعدك مجترئ على الخلافة ، أخرجه يا عبد الجبار فاضرب عنقه ، فأخرجه فقتله . أخبرنا عبد الرحمن القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أخبرني أبو الفضل محمد بن عبد العزيز بن المهدي [ الخطيب ] [ 3 ] قال : حدّثنا الحسن بن محمد بن القاسم المخزومي ، قال : حدّثنا أحمد بن موسى بن مجاهد ، قال : حدّثنا أبو العيناء ، قال : حدّثنا الأصمعي ، قال : [ 4 ] صعد أبو جعفر المنبر فقال : الحمد للَّه ، أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، أذكرك من أنت في ذكره ، فقال أبو جعفر : مرحبا مرحبا ، لقد ذكرت جليلا ، وخوفت عظيما ، وأعوذ باللَّه ممن إذا قيل له : اتّق الله ، أخذته العزة بالإثم ، والموعظة منا بدت ، ومن عندنا خرجت ، وأنت يا قائلها فاحلف باللَّه ما الله أردت بها ، إنما أردت أن يقال : قام فقال فعوقب فصبر ، وأهون بها من قائلها ، وإياكم معشر الناس وأمثالها . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . فعاد إلى خطبته كأنما يقرأها من قرطاس . وكان [ 5 ] المنصور يشتغل في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات ، وسجن
--> [ 1 ] في الأصل : « خلتك عن » . وما أوردناه من ت . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 3 ] ما بين المعقوفتين : من تاريخ بغداد . [ 4 ] الخير في تاريخ بغداد 10 / 56 . [ 5 ] في الأصل : « كان » . وما أوردناه من ت .